الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
224
نفحات الولاية
عليه السلام إلى الأشتر تخاذُلَ أصحابه ، وفرار بعضهم إلى معاوية ، فقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ؛ إنا قاتلنا أهل البَصْرة بأهلِ البصرة وأهل الكوفة ، ورأي الناس واحد ، وقد اختلفوا بعد ، ووضعفت النيّة ، وقلً العدد ، وأنت تأخُذُهم بالعدل ، وتعمل فيهم بالحق ، وتُنْصِف الوضيع من الشريف ؛ فليس للشريف عندك فَضْلُ منزلةٍ على الوضيع ، فضجّت طائفة ممّن معك من الحقّ إذ عُمُّوا به ، واغتمُّوامن العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائعَ معاوية عند أهل الغَناء والشرف ، فتاقَتْ أنفُس النّاس إلى الدنيا ، وقَلّ مَنْ ليس للدنيا بصاحب ، وأكثرهم يَجْتوي الحقّ ويشتري الباطل ، ويؤثر الدنيا ، فإن تَبْذُلِ المال يا أميرَالمؤمنين تَمِلْ إليك أعناقُ الرجال ، وتَصْف نصيحتُهم لك ، وتَسْتَخْلِصْ وُدّهم ؛ صنع اللَّه لك يا أمير المؤمنين ! وكَبتَ أعداءك ، وفضّ جمعهم ، أوهن كيدَهم ، وشَتّت أمورَهم ، إنّه بما يعملون خبير . فقال عليّ عليه السلام : أمّا ما ذكرت من عَمَلنا وسِيرتنا بالعَدْل ؛ فإنّ اللَّه عزّوجلّ يقول : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ » ؛ وأنا من أن أكون مُقَصِّراً فيما ذكرتَ أخْوَفُ . وأما ما ذكرت من أنً الحق ثَقُل عليهم ففارقونا لذلك ، فقد علم اللَّه أنّهم لم يُفارقونا من جَوْر ، ولا لجُاوا إذ فارقونا إلى عَدْل ، ولم يلتمسوا إلّادنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها ؛ وَلَيُسْأَلُنَّ يوم القيامة : أللدنيا أرادوا أم للَّه عملوا ؟ وأمّا مَا ذكرْتَ من بَذْل الأموال واصطناع الرجال ؛ فإنّه لا يَسَعُنا أن نؤتيَ أمراً من الفىء أكثرَ من حقّه ، وقد قال اللَّه سبحانه وتعالى وقوله الحق : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ » ، وقد بعث اللَّه محمّدا صلى اللَّه عليه وحْدَه ؛ فكثّره بعد القلة ، وأعَزَّ فئته بعد الذِّلَّة ؛ وإِنْ يُرِدِ اللَّه أنْ يولِيَنا هذا الأمرَ يذلّل لنا صَعْبَه ، ويُسِهِّل لنا حَزْنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان للَّه عزّوجلّ رضاً ؛ وأنت من آمن الناس عندي ، وأنصحِهم لي ، أوْثَقِهم في نفسي إنْ شاء اللَّه . 2 - تعارض الحق والمصلحة ! عادة ما يحدث تعارض بين الحق والمصلحة ليكون أحدهما مقابل الآخر . وغالباً ما يميل